السيد كمال الحيدري
48
الدعاء إشراقاته ومعطياته
أما الأول : فإنَّ الدعاء باقٍ على أولويّته ، ولكن ينبغي فيه مُراعاة الأحوال ، ففي بعض الأحوال يجد العبد المُبتلى في قلبه إشارة ودافعية للدعاء فيكون الدعاء هو الأولى في حقّه ، وتارة يجد في قلبه إشارة السكوت والرضا فيكون السكوت أولى له ، فينبغي للعبد مُراعاة الحال الذي عليه « 1 » . وهذا لا يعني وجود التنافي بين الدعاء والرضا بالقضاء ، بل يُمكن القول أيضاً أنَّ الرضا بالقضاء هو الآخر يحتاج إلى الثبات عليه فيكون مُحتاجاً للدعاء ، فلا يُتصوَّر الانفكاك بين الأمرين . وأما على صعيد المصداق ، فالحديث القدسيّ لا ينفي أصل الدعاء ، وذلك لعدم انحصار الدعاء بطلب الحاجات الدنيوية ، فالذكر مُفردة دُعائية ، بل هي أشرف مراتب الدعاء ، ومن شرافتها أنها تُفضي لقضاء الحاجات بصورة تلقائية ، فلا معنى لورود الإشكال . وأما في قصّة إبراهيم ( عليه السلام ) فإنه قد دعا ربه ، ولكن بما يُناسب المقام الذي هو عليه ، فهو لشدِّة توحيده وحضور الله تعالى لديه لم يجد مُسوّغاً لإظهار الطلب على يد الملائكة المُرسلين إليه ، وهو يعلم بأنَّ مقامه التوحيدي الذي دعا الناس إليه يأبى عليه النظر إلى غير الله تعالى ، ثم إنَّ قوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، حاكٍ عن توجُّهه بالدعاء بلسان حاله لا بلسان مقاله ، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال ، مع الالتفات إلى مقام الداعي ، فقد لا يفي الحال للداعي فيصير إلى الدعاء . وأما في تجمُّل أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) فهو الآخر مفردة دُعائية ،
--> ( 1 ) انظر : الرسالة القُشيرية ، مصدر سابق : ص 380 .